الشيخ محمد هادي معرفة
150
تلخيص التمهيد
نعم ، يجوز أن يكون الكلام الآنف إنّما قاله مداعبة لا عن جدّ وعن واقعية أرادها . قال الخطيب : إن يكن ذلك من كلام أبي العلاء فلن يكون إلّاعن معابثة أرادها وقعد لها ، وإلّا فإنّ أبا العلاء لا يرضى بنفسه أن تنزله إلى هذا السخف في مقام الجدّ أبداً . وإنّه إذا كان أبو العلاء يُتّهم فيدينه فإنّه لايُتّهم فيأدبه ، وإنّ ذوقه للكلام وبصره بمواقع الحسن والروعة فيه يحميه من أن يزلّ أو ينزلق فيتصدّى لمعارضة القرآن ويلقي بنفسه في البحر ليكون من المغرقين . وهو الذي دأب على أن يزيّن كلامه وأدبه بما يقبس من كلمات القرآن وآياته ، فهل من يفعل ذلك يتصدّى لمعارضة القرآن ؟ ! المعرّي أعقل من هذا وأعرف الناسب بمكانة القرآن « 1 » . محاكاةٌ وتقاليدٌ صبيانية وأخيراً ، قامت أفراد وجماعات زاعمة بإمكانها معارضة القرآن ، فجاؤوا بتلفيقات غريبة اقتباساً من أسلوب القرآن ومن نفس تعابيره في تقليدٍ أعمى ، لا بَراعة فيه ولا جمال ، سوى أنّها سخافاتٌ وخرافاتٌ لا يتعاطاها ذو عقل حكيم . منها ما جاء في رسالة « حسن الإيجاز » التي زعم كاتبها - وهو مسيحي متطرّف - أنّه عارض القرآن في سُوَره القصار فكأنّ بإمكانه معارضته في السوَر الكبار ، هكذا زعم المسكين ! فممّا عارض به سورة الحمد ، وزعم أنّه أخصر منه لفظاً وأجمع منه معنى ، قوله : « الحمد للرحمان ، ربّ الأكوان ، الملك الديّان ، لك العبادة ، وبك المستعان ، إهدنا صراط الإيمان » . وقد أطنب سيّدنا الأُستاذ قدس سره في تسخيف هذا التائه وتزييف مزعومته ، وفنّد أسلوبه على قواعد الكلام بشكل فنّيّ دقيق ، منها قوله : ولست أدري ماذا أقول لكاتب هذه الجمل ، ألم
--> ( 1 ) . الإعجاز في دراسات السابقين : ص 504 .